عبد الكريم الخطيب
8
التفسير القرآنى للقرآن
أما اليهود ، فقد عزلهم الكبر والغرور عن أن يختلطوا بالناس ، وأن يدعوهم إلى دين اللّه الذي معهم . . وقوله تعالى : « وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ » . . هو شاهد ثالث على الإنسانية المنطلقة التي تنشد الخير ، وتطلب الحق ، وأنها حين تستمع إلى كلمات اللّه ، تستمع إليها في غير كبر أو استعلاء ، فإذا اهتدت إلى طريق الحق ، استقامت عليه ، ولزمته . . وإن لم تهتد ، توقفت وأمسكت في رفق ولطف . ولهذا دخل كثير من أتباع المسيح في الإسلام عن اعتقاد صحيح ، وإيمان وثيق : « تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ » أي اجعلنا من الذين شهدوا النبي واستمعوا إليه وآمنوا به . وليس كذلك شأن اليهود ، قد أعماهم التعصب ، وأصمّهم الكبر ، عن أن يستمعوا لكلمة حق ، أو يستجيبوا لدعوة رسول . . ! وقوله تعالى : « وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ » . . إنه لسان الحال ، لكل طالب حق ، حين تبدو له أماراته ، وتلوح لعينيه دلائله ، لا يتردد أبدا في قبوله ، والأخذ به ، ليرشد وليكون في عباد اللّه الصالحين . . وقوله تعالى : « فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ » . . هو الجواب المسعد لهذا التساؤل المتعاطف مع الحق ، المستجيب له . . فقد تلقاهم اللّه - سبحانه - بهذا اللطف الكريم ، وملأ أيديهم من هذا